حسن حسني عبد الوهاب
98
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
الأخلاق ، فمما يؤثر عن فضله ودينه ما حكاه ابنه محمد . قال : " كنت أمشي مع أبي إلى أن انتهينا إلى " موقف الخيل " بالقيروان فبينما نحن نمشي إذ جذبني جذبة شديدة ثم دخل إلى سقيفة ( دهليز ) هنالك وأدخلني معه ، فقلت لأبي : ما القصة ؟ قال : يا بني . رأيت غريما لي فخفت أن يراني فيرتاع منّي . وذكرت قول اللّه عزّ وجل : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ فقعدنا ساعة ثم خرجنا فلما مشينا قليلا التفت إليّ وقال : يا بني . إنه قد جاء في الحديث " من رحم يرحم " ( * ) . وحكى تلميذه أبو سنان زيد بن سنان . قال : أخذت يوما بركاب يحيى بن سلام فركب دابته وقال لي : آجرك اللّه ، يا ابن أخي . أما إنه من أخذ بركاب أخيه المؤمن حتى يركب حط اللّه عنه كبائره . فقلت له : يا أبا زكرياء إن هذا من الأدب الشريف . ولكني أريد أن تخبرني بأفضل ما تقرب العباد به إلى اللّه عزّ وجلّ . فقال : أخبرني زيد 5 بن حبيش عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - " لن يتقرب العباد إلى اللّه تعالى بأفضل من رد كبد جائع " ( * * ) . وامتاز يحيى بحافظة عجيبة . قيل : إنه ما سمع شيئا قط إلّا حفظه حتى أنه كان إذا مرّ بمن يتغنّى من أهل الملاهي يسد أذنيه لئلا يسمعه فيحفظه ( * * * ) . وبالجملة فقد كان يحيى من خيار علماء عصره سمتا وصلاحا وشفقة ، وكان في الدرجة العالية من الثقة والأمانة ، ثبتا فيما يرويه مع الإدراك التام ، ممن يعول عليه في حفظه ونقله . ولأول مجيئه إلى إفريقية وتصدره للتعليم والرواية رماه قوم من علماء القيروان بالقول بالإرجاء ، وهما منهم أو تعصبا عليه . فقد روى أبو العرب التميمي - مؤرخ إفريقية في عصره - قال ( * * * * ) :
--> ( * ) طبقات أبي العرب ومعالم الإيمان . ( * * ) رياض النفوس للمالكي ص 18 قفا 6 . . ( * * * ) أبو العرب ( 37 ) . ( * * * * ) المصدر المذكور ( ص 37 ) .